Make your own free website on Tripod.com

المقاهي الشعبية في الموصل

 طلال صفاوي العبيدي

 لكل شعوب الارض تراث تعتز به . وتفاخر به الاجيال .فالموروث الشعبي هو النموذج الفني لاصالة اي امة ان صح التعبير. لكونه التأريخ والجذور الاصيلة التي ترعرعت في اديم الارض التي عاشت عليها تلك الشعوب. فسجلت مكونات من عادات وتقاليد ودلالات تتضمن الكشف عن الإرهاصات الشعبية. المتكونة من الهموم ، والافراح . والتي كانت تعيش مع الاجيال . ان الموروث الشعبي في الموصل يحتاج الى امكانية وقدرة كبيرة لترجمته . وحبذا لو أن جامعة الموصل . واعني مركز دراسات الموصل . الذي عودنا على عقد الندوات العديدة ضمن موسمه التراثي . يعمل على ترصين البعض من جوانب ذلك التراث الموصلي بهدف اثبات أثر الفلكلور في حياة الناس والمجتمع المحلي في المدينة ولا اكتفي بهذه الدعوة بل انقل اثراً موصلياً عزيزاً في هذه المقالة عن المقاهي الشعبية القديمة مثل مقهى "الثوب" التي كانت واقعة بالقرب من الجسر القديم مساهمةً مني في الموضوع الذي ادعو له. حيث كانت هذه المقهى واحدة من اشهر المقاهي في الموصل لعدة اسباب منها توسطها الاسواق التجارية . وموقعها الجغرافي حيث تحاكي نهر دجلة الخير ليلاً ونهاراً . وان روادها من وجهاء وابناء الموصل المعروفين ... وإذا اردنا أن نجدد ملامح تلك الصورة فلابد ان نذكر قبساً من الجلسات الساحرة البريئة . ويجدر بنا . قبل كل شيء ان نقول : كانت هذه المقهى وغيرها بمثابة نواد ودور أستراحة ، ومحال هواة ، ومعاهد محاسبة . وغرف تجارة . او مكاتب بيع وشراء ومجامع ادبية تدور فيها الاحاديث بشتى صورها واصنافها. ومن الفعاليات التي كانت تمارس في المقاهي في الاعوام الغابرة انه بعد صلاة العشاء يجتمع الناس في المقهى صفوفاً منصتين بلهفة وشغف الى احد الرجال . وهو يقرأ في كتاب مصفر الصفحات متهرئ الغلاف لطول تناوله . يجلس هذا الرجل فوق منصة مرتفعة متميزة عن الآخرين وغالباً ما يكون الرجل شخصاً تتمثل فيه الفطنة والمراوغة وصياغة الجمل الرنانة . وأداء الحركات المسرحية . إذا اقتضى الامر وهو - بحق - يمثل الاديب بقراءته للقصة . والمسرحي بحركاته والعبقري بفطنته ومراوغته . انه قارئ القصص المسمى ((القصة خون)) ومن القصص المشهورة التي أعجبت بها الاجيال عبر العصور. قصة الزير سالم وتغريبة بني هلال وقصة البطل العربي الغيور فارس الفرسان عنترة بن شداد . ولهذه القصص عشاقها ومحبوها . ومؤيدوها فهم لا يعيرون للوقت بالاً . وعندهم الاستعداد للاستماع لها بشغف الى حد يتقمصون فيه شخصيات ابطال القصة ويتحزبون لهذه القبيلة وتلك حتى ينقسم رواد المقهى في الكثير من الاحيان الى فريقين (عبسيين وهلاليين).يفرح الهلاليون بإنتكاسات عنترة ويحزنون بانتصارته  والعكس تمام حيث يفرح العبسيون ويحزنون بانتصارات وانكسارات ابي زيد الهلالي .ومنهم من يتجاوز ذلك فتدفعه العاطفة الى اعتبار نفسه من سلالة اولئك الابطال. والمستمعون الذين يفرحون لافراح الابطال وينتصرون لانتصارهم كما ذكرنا يوزعون الحلوى على جلساء المقهى عند زواج عنتر ويخرجون الدفوف وينقرون عليها هزجين فرحين . وهنا ينبغي ان نذكر بعض الروايات التي يتناقلها الناس ذلك ان جماعة من محبي آل عبس كانوا يستمعون لقصته كالعادة . وعندما أوشك وقت قراءتها على الانتهاء في تلك الامسية واطبق قارئها صفحات كتابه العتيد. وكان قد سقط عنتر بيد اعدائه وادخلوه  السجن  واشتفى الهلاليون بذلك ، بإنتكاسات عنترة ويحزنون بانتصارته  والعكس تمام حيث يفرح العبسيون ويحزنون بانتصارات وانكسارات ابي زيد الهلالي .ومنهم من يتجاوز ذلك فتدفعه العاطفة الى اعتبار نفسه من سلالة اولئك الابطال. والمستمعون الذين يفرحون لافراح الابطال وينتصرون لانتصارهم كما ذكرنا يوزعون الحلوى على جلساء المقهى عند زواج عنتر ويخرجون الدفوف وينقرون عليها هزجين فرحين . وهنا ينبغي ان نذكر بعض الروايات التي يتناقلها الناس ذلك ان جماعة من محبي آل عبس كانوا يستمعون لقصته كالعادة . وعندما أوشك وقت قراءتها على الانتهاء في تلك الامسية واطبق قارئها صفحات كتابه العتيد. وكان قد سقط عنتر بيد اعدائه وادخلوه  السجن  واشتفى الهلاليون بذلك ،

أنفض العبسيون كالعادة الا ان احدهم كان حزيناً جداً وجال في خاطره ان يذهب الى  "القصة خون" ويخرجه من بيته ليعاود قراءة  شيء اضافي حتى يخرج عنترة من السجن نكاية باعدائه والشامتين به من الفريق الآخر حتى لو كلفه ذلك جمع الناس من بيوتهم في ذلك الليل البهيم واجبارهم على العودة الى المقهى لسماع بقية القصة.

 وعندما إنزوى مع نفسه في البيت مكتئباً ، أخذ يفرك شاربيه ويعض شفتيه اسفاً وندماً . وامتنع عن تناول طعام العشاء . ولم تكتحل جفونه بالكرى في تلك الليله ومرت الساعات وهو يفكر بفارس الفرسان عنتر . أيدخل السجن ويشتفي أعداؤه؟ وكيف يحدث هذا ؟ فانتفض صارخاً لقد دقت ساعة الصفر وتذكر قول فارسه :

وسيفي كان في الهيجا طبيباً

يداوي رأس من يشكو الصداعا

لقد كان صاحبنا يشكو من صداع مؤلم حاد كحدة سيف عنتر . فارتدى ثيابه ووضع النقود في جيب "دميره" وخنجر "الدبان" في حزامه واشعل الفانوس بعد ان نظف "لمبته" وفي تلك اللحظة استيقظت ام اولاده مندهشة تسأله : الى اين؟ ليجيبها بزفرات مريرة : عنتر في السجن وانا أبقى في البيت ؟ وخرج وكانت السماء ممطرة والجو بارداً والمزاريب توقع الحانها المألوفة فتعثر بين حفر الزقاق . وكاد فانوسه ان يلفظ انفاسه الاخيرة حتى انتهى الى البيت قارئ العنترية . فطرق الباب . منتظراً الجواب وجاءه صوت : من انت ؟ انا فلان .. كان القارئ يرتجف من البرد والفزع قد أخذ ماخذه منه وتساءل في نفسه: ما الذي حدث ؟ ومن الطارق في هذا الليل البهيم ؟ واخيراً فتح الباب - خير ان شاء الله .قالها قارئ العنترية وفرائصه ترتعد . فرد عليه صاحبنا قائلاً ، بصوت كله غضب وحسرة ، أخرج ((عنتر)) حالاً والا جندلتك الساعة ياوجه النحس . ودعنا نفرح مع بني عبس . فقال له ((دخيلك يا ابا فلان )) لا مجال لهذا في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل . ولكنه أصر اصرار آل عبس وأخرج من جيبه قطع النقود ووضعها في كف قارئ العنترية وأمره ان يأخذها لقاء اخراج عنتر من السجن وانه سيجبر صاحب المقهى على العودة لفتح المقهى وعلى الزبائن التجمع من جديد وعندما رفض القارئ طلبه عاجله بطعنة خنجر قاتلة وتركه يتخبط في دمه فوق عتبة البيت ممدداً الى جانب الفانوس بعد ان رفض عودة عنتر الى قومه وفد كلفه ذلك حياته.

ويعود العبسي الى أهله مع خيوط الفجر  بعد ان فعل ما فعل في قصة تناقلتها الايام

لم تقتصر المقاهي على قراءة العنترية فحسب بل كان يجتمع فيها هواة الخيول فيتحدثون عن انسابها ومآثرها في السباقات ((الريسس)) فلهذه الخيول اسماء تعبر عن نفسية اصحابها فمنهم من يسمي الفرس او الحصان باسم ابنه او إبنته او اسم قائد مشهور ومن هذه الاسماء ((ثعلب الصحراء. وناطق . ومحبوب وليد. وعنيفه عنتر . الحشاش وغير ذلك من الاسماء . والباحث في سجل مقاهي الموصل . يجد الكثير من العادات والتقاليد التي تدور في المجتمع الموصلي وهناك الافتخار بالملابس ، والطعام ، والتبغ ، والقهوة . ومن الالعاب الشائعة فيها آنذاك الريز ، والحالوسي ، والدامه . واخيراً ان اثبات اثر التراث العربي الموصلي الفلكلوري يحتاج الى جهود كبيرة لان الموصل هي احد المراكز العبقرية لنشأة المعرفة والثقافة والآداب والفن بل هي اهم تلك المراكز في العراق.

 

عودة الى الصفحة الرئيسة