Make your own free website on Tripod.com

من التراث                      


الموصل في قصيدة الزمن


  سعد الجميل

هي بلدي الذي اعشق ... لا زالت مزامير الصبا ملء السمع ونبض القلب، كطهر الملح وقدسية الماء والخبز ، ودفء الارض باحداق عيون عربية .

الموصل : نزوع نحو المحبة .. حتى تدرك القلب ، ساحة تنقل اصداءها مزامير الوعي الحضاري الموشى برحيق زهرة البيبون وتغسل جسدها برعدة انفاس الربيع . هي اسطورة ذات نماذج كبيرة بمعالمها التي تحمل اختام التاريخ ،

احياؤها ، قراها ضواحيها تفهرس قبائلها ... وترمق ديار ربيعة وتغلب وتميم ... وغيرها من القبائل الآتية مع اضواء الفجر الملونة ذات الينابيع الاصيلة . ولحواشيها البعيدة الخطوط المخضرة كلون شجرة الزيتون منذ الازل ... لذلك تعددت اسماؤها والقابها وصفاتها ... فهي الحصن الغربي ، والحصن العبوري ، ما سبيلاً ، وعرابايا ، الحدباء ، والبيضاء ، والفيحاء ، والخضراء ، وام الربيعين . انها عروق ارضية ، اقراط اذنيها سبحة من لهاث الاسماء والتواريخ وصفها المؤرخون والبلدانيون بقولهم : بلد جميل حسن البناء طيب الهواء ، صحيح الماء ، كبير الاسم قديم الرسم ، احد قواعد الاسلام ، محط رحال الركبان ، باب العراق وخراسان يمر بها كل قاصد للشرق او الغرب . لعبت دوراً مهماً في توطيد اركان الدولة العربية لموقعها الاسترايجي فهي عتيقة ضخمة ، حصينة فخمة ، طالت صحبتها للزمن ، فلا يعرف بالضبط متى تاسست الا انها تجهض المزعجات الهجينية .. آخذةً اهبة استعدادها لمقاومة الحوادث والفتن . ولا غرابة ان تحظى باهتمام المؤرخين لدورها البارز في المشرق العربي ، في الاحداث الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية ، فهي ابداً رغبة معلقة فوق اروقة العصور...

وتبقى الموصل معشوقة اهلها ... وهذا أحد ابنائها يطفئ حر شوقه بقصيدةً يوم غادرها للدراسة في المدرسة الشاهانية الملكية العليا لدراسة الاداب الشرقية في استانبول تلك القصيدة التي غناها مطربو الموصل وقراء المقام فيها عبر اجيالهم حيث يقول :

السدّ المباح

 فارس الغَلَبْ

  في المضيف المشرع للضوء القادم مع مسافات شمس الخريف المحايدة ، كان يطرق الآذان بمدقة الماضي الذي هو منه ، مثل قائد سرب طير فقد زعامته عند الغدير. وفجأة اجهش بالبكاء ، تفرّس في الوجوه كمن يريد اتهام احدهم بفعلةٍ ما ، وبكى بحرارةٍ مثل طفل سُلبتْ لعبته ، وهو - وان كان يقف كالطود مدافعاً عن الماضي بكل هناته- يؤلمه المرور بالغزوات والحروب ، ورائحة الدم المسفوك بين العزوة ... الماضي الذي يشدُه وينجذب اليه. مزج حلوه بمرّه حتى غدا حلوا برغم المرارة ، ومن اجله تخطّ عصاه اثارها على قارعة الطريق ما ان ينبلج النور ليقتنص لقاء امرأة ... امرأة يشاطرها البوح ، او هي الوحيدة في هذا الكون القادرة على تحريك اوتار بوحه . كانت تبادله العشق منذ ما يربو على الستين سنة ، وكان عشقهما الموؤود ريّقاً سلساً في الافواه قبل ان يزهق في بئر مهجورة . في فجيعة ذلك اليوم قادهما القدر الى تلاوة آخر كلمات الوداع بلا افق وبلا سماء . ما اقسى ان يكون الوداع في قعر موحش وسط الظلمة وصدى النشيج ، ورعدة الخوف من المجهول ، كان قد اتفق مع احدى رفيقاتها على اصطحابهما الى الغدير البعيد عن المنتجع بحجة جلب الماء ، طلبٌ مشروعٌ في البادية ان يتقدم من يشتعل وجداً الى رفيقات عشيقته في مثل طلبٍ كهذا . فالفتيات دأبْنَ على معاضدة بعضهن البعض بسرية قصوى، وبدون تحفّظ ، وحتى العذل لا يتداول خارج دائرتهنَّ المغلقة ، ولأجل ذلك اصطلحنَ على كلمة (السّد) بدلا من كلمة (السر) ، ربما تعني اللفظة السد المنيع الذي يحول دون مجرى الحكاية ، او السد بمعنى الإحكام والإغلاق ، ولكن الامر يحتم عدم تجاوزه الى الغلط في مكان يحني عنده السيف . كان الربيع في أوجِهِ والارض قد لفظت بذور احشائها ألسِنة من قوس قزح . وكأنما تكفلت الطبيعة بتحضير ذروة ابداعها من مثل تلك الصور البهيجة لموكب عزاء يموت فيه الحب او بالاحرى يغتال، كانا يسيران بيدين متشابكتين .. بقلبين اسكرهما العناق .هوت .. تعلّق بأردانها .. انهارت حافة البئر الداحلة المتوارية تحت الاعشاب المتعثلكة ، فهوى خلفها . تأكدت رفيقتهما المصاحبة لهما من سلامتهما . حاولت انقاذهما ، لم تفلح .. كانت حبال القِرَبْ واهية ، وعرقات البئر قد اصابها شرخ يعيقهما عن ارتقائها . لبثا ساعات .. اكتظت فوهة البئر بأناس تناءوا عنهما برؤوسهم الصغيرة ، وتدلّت الحبال ، أُخرجا ومضى كل منها الى طريق مغايرة وما عاد يراها منذ ذلك اليوم المشؤوم الى ان ائتلف حيّاهما في المنزل هذا الموسم . صاح احد الرجال موبّخاً صبياً اخذ يعبث بصندوق من الخشب وضعت فيه حاجيات القهوة . صعق الصغير كمن أفزعه مرور طائرة تخترق جدار الصوت ، وجرى بخفة مثل أرنب أخطأ إصابته الصياد. كان يعتمر كوفية صفراء ، وقد ألبسه الاهل ثوباً بناتياً مشجّراً خوفاً عليه من الحسد . وكان وجهه مدرجاً حرّاً للذباب ومنظره المقزز يدعو الى الغثيان  لا الحسد . نبهه احد الحضور بان ثمة من يناديه ، وكان ولدها صاحب المضيف وكانت بانتظاره عند مبرك الابل قبالة المجلس. جلسا كهلين يبحران في المحيط  ولا يبغيان لمركبهما الرسو في أي شاطيء مأهول. ففي داخلهما تكمن مأساتهما مع بني البشر بالاحرى ذكرى مأساتهما قالت له :

 -سمعتك تبكي فبكيت

 -يرغمونني على الخوض في احداث تؤذيني

 -فقط استمع اليهم .

 -ملأوا راسي بالترّهات .

 -ماذا يقولون ؟

 -يتحدثون كثيراً عن القمر وعن جزيرة في عرض البحر قالوا بان أحجارها جلبت من القمر وان موسريها مولعون بتربية الحجل في أقفاص من الذهب ، وقالوا ايضا بأنهم يزاولون زراعة الخشخاش والكوكا فوق سطح القمر .

 -أترى بان لها ثماراً تؤكل ؟

 -لا ادري . ربما طعاماً للحجل !

 - وما شأننا نحن ، فالقمر ما عاد قمرنا ! ثم ما هذا  الوسخ على اثوابك ؟

 -لابد انها قطرات من القهوة انسكبت وأوووهـ

 -ما عدت تهتم بمظهرك يا رجل .

راحت تبلّل إصبعها وتمرره على المكان وهي تتأفف ...

 

 

ظلام

محمود المـحروق*

 

مضينا .. وفي قلبنا ...

تهاويل جياشة بالعناء...

وكنا ... وكان الزمان لنا ...

 ملاحم ننشدها بالهناء ...

ونرشف من نخبها ...

رحيق الهوى والحياة ..

وفي قلبها ..

سكبنا الدموع ..

شآبيب تدنو بنا للفناء ..

وتدفعنا للسبات ..

فنندب أحلامنا ..

ونمضي وما من رجوع ..!

غفونا على نغمة واجدة ..

وعين الدجى هاجده ...

 وبتنا عبيد الهوى الظالم ..

على شاطيء الذكريات ..

 أسارى شباب ..

تمرد فوق التراب ..

وعربد بالامنيات ..

... وفي سكرة الحالم

تنفّس ليل العذاب ..

 وزمجرت الهاوية ..

وماتت أناشيدنا الباكية ..

 وعمّ الظلام ..

فأين الشموع ؟!

حنانيك يا جنتي ..

لمن هذه الأغنيات ؟

هناك على الضفة الحالمة ..

تداعبها النيرات ..

لمن أنََّتي ؟...

لمن أدمعي اللاهبة ؟..

وشوق طغى كالغمام !..

 ... لقد لفّني ثوب هذا الظلام ..

فأين المنى الغاربة ؟..

وأين حنيني ... وقيثارتي ؟...

سأمضي ... سأمضي .. وما من رجوع !!

------------------------------

* محمود فتحي المحروق واحد من شعراء الموصل وشعراء العراق الرواد. كان له السبق في المساهمة في حركة الشعر العربي الحديث التي تزعمها السياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري وغيرهم . وشاعرنا المحروق الذي لم يأخذ حقه في تسليط الاضواء عليه وعلى انجازه الشعري بسبب بعده عن العاصمة حيث العالم الثالث يختصر كل امكاناته وافاضاته في عواصمه فقط مهملاً الاطراف مهما بلغ عطاؤها من نضج وابداع .

 ونحن إذ نحيي روح هذا الرجل ننشر واحدة من قصائده هنا وفاءً وتقديراً للمبدعين الافذاذ من ابناء الموصل الحبيبة .

لقد نشرت هذه القصيدة في جريدة (صوت الكرخ) في بغداد (العدد 48 ) في 8 /12 /  1949 و هي أول تجربة للشاعر في الشعر الحر في أولى مراحله وقد أشار لها كثير من النقاد والباحثين في وقتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عودة الى الصفحة الرئيسة