Make your own free website on Tripod.com

أتاك الربيع الطلق يختال باسماً

من الحسن حتى كاد أن يتكلما

 وأتى الربيع ... وحل في الموصل كعادته ... والموصل ألق الطبيعة المعطاء ... سماؤها صافيةٌ ... وهواؤها عافيةٌ ... وارضها محبة ... أما وجوه أهلها فمشرقةٌ دائماً بالأمل ..

الموصل ام الربيعين مدينة الخضرة والصفاء والمحبة . اشتهرت منذ القدم بجمال ربيعها وطيب خريفها لذا سميت بأم الربيعين ... ورغم صفاء ورقة الخريف فيها إلاّ أن ربيعها اجمل وأروع منظراً ومخبراً ... فهي تقع بين سهل العراق الجنوبي ومرتفعات وجبال شماله الحبيب ، حيث توسطت كل شيء فيه .. ارضها متموجة يخترقها دجلة الخالد وهو يتهادى في كبرياء وسحر بين ضفافه وسط سهلها البديع .

 لقد اعتاد الموصليون على ان يجعلوا لكل فصل فصلاً بعدته وعتاده ولكي يتساوقوا معه حسب أفضلياته ومتطلبات وقعه على الأرض وما حولها ، وعلى الطقس وما فيه من تقلبات سواء أكانت حارة أو باردة ... صافيةً ورقيقة أم متعبةً وعاصفة ...

ولان الربيع هو سيد الفصول في الموصل -وقد عرفت هي به وعرف هو بها - فقد احتفل أهلها به أيّما إحتفال عبر التاريخ ... ويستطيع القارئ والمتابع أن يشاهد على جداريات نينوى رسوم أزهار البيبون وغيرها من ورود الطبيعة ، ويرى في المخطوطات والمدونات والرسوم اللاحقة عبر الحقب المتتالية الكثير أيضاً من تشكلات الجو الساحر وعظمة الطبيعة هنا في الموصل محفوظة في صورٍ وتشكيلات امتدت بتتابع الى ان وصلتنا وشاهدناها تحتل مساحةً من اعمارنا وترسخ عميقاً في الذاكرة حتى القريب من السنين التي عشناها في الموصل وعايشنا اهلها كباراً وصغاراً نسعد معاً بالربيعِ وأحلامهِ ...بزهورهِ وطقوسه وعبق سحره الفتان .. فقد كانت أيامه أيام حسنٍ وإشراق ظلت في مخيلتنا وذاكرتنا وستظل خالدةً إلى الأبد .

كان الناس يخرجون الى ضواحي الموصل القريبة بعد ان يفرشها الأخضر الرائع من النبت بخضرته وتطرزها الزهور بأشكالها وألوانها . وتفترش العوائل أماكنها هنا وهناك ، حاملة معها ما لذ وطاب من اصناف الطعام والشراب .. وينتشر الاطفال بين المروج يقتطفون الزهور ... يجمعونها باقة ملونة أو يضفرون منها أغطيةً وقبعاتٍ لرؤوسهم الصغيرة ...

زهورٌ صفراء وشقائق حمراء وألوان شتى تبهج العين وتسر القلب في جوٍ تملأ فضاءآته أغاني ودبكات وأهازيج المتنزهين ويعج باصوات الباعة المتجولين ينتشرون بما لديهم من فرارات ورقية وحلويات وطرائف ربيعية ... يصيحون على بضاعتهم باصوات منغمة ليلتم حولهم الصبية يأخذون منها ما يأخذون ويدورون ببالوناتهم واعلامهم الصغيرة حيث تدور الفراشات التي تملأ الروابي والساحات الخضراء ..

يذهب الاولاد الى الروابي ومنحدرات الوديان يبحثون عن الكمأ والحشكبة والكعوب ... يقطعون الخباز الأخضر ويعودون به لأمهاتهم كي يطبخنه في اليوم التالي كبعض ما اعتاد الناس على طبخه من أكلات الربيع ...

وهكذا يستمر الحال حتى نهاية النهار ... ومع انطفاء الشمس في افقها الغربي أو قبل ذلك تزدحم الشوارع بسيارات العودة وبالراجلة الراجعين الى دورهم مسرورين فرحين .. وقد غسلوا عن نفوسهم أتعابها ، ومنحوا لصدورهم راحة ولعيونهم ألقاً جديداً... يستقبلون به ما يأتي من أيام العمل والكدح والمصابرة...

كانت (ارض الصينية ... واللقم .. ومنطقة الغدران .. وتل الذهب .. ومزارع الفستق .. منتزهات تحيط بالمدينةِ من جانبها الايمن .. الى جانب (النبي يونس ...والجيلة ... وماركوركيس ... والنوران ... وخورسباد ... والنمرود .. والكبة .. والقصر .. وغيرها) التي تحيط بالجانب الأيسر من المدينة مع(بعشيقة... وبحزاني... والفاضلية... والشلالات.. وتلكيف.. وديرمتي.. ودير السيدة.. والربان هرمز).. وكان الناس يتحركون إليها ويتخيرون منها ما يتفق وطاقاتهم المادية .. فمن يمتلك سيارة يستطيع ان يصل الأبعد ، أو أن يشترك عدد من العوائل في باص خشبي أو سيارة نقل كبيرة تأخذهم الى مبتغاهم ووجهتهم من هذه الارض الواسعة الخضراء حول الموصل ... حتى لتجد بعض الناس وقد وضعوا تخوت المقاهي فوق ظهر السيارات القلابة واللوريات واجلسوا عليها العوائل خارجين بها لوجهتهم البعيدة ..

ولم يقتصر احتفال الموصليون على افتراش الارض عبر مساحة النهار والعودة فقط ... بل انهم خصصوا الكثير من مفردات تراثهم المعروفة وفلكلورهم لأيام الربيع حيث كانت لها مسميات وأماكن مخصصة أهمها منطقة تل التوبة في جمعها المعروفة ، وأيام الآحاد كآحاد الطاهرة وكوركيس وميخائيل وجمعة الخضر..   إذ يحتفل ابناء شعبنا هنا وهناك بطقوسٍ حلوة وكرنفالات رائعة يشارك فيها الجميع ..

وفي فترة لاحقة أعتمدت الموصل مهرجاناً للربيع استمر لسنوات طويلة بمواكبه وفعالياته الكثيرة والمنوعة حيث انطلاق العربات الملونة والمعبرة والمواكب الراجلة ومعارض الرسم والفنون والحفلات الغنائية وسباقات الخيل وغيرها .

ولان الربيع حالة حاضرة بقوة بتفاصيلها في روح الحياة ومعناها فقد تغزل به الشعراء وغنى له المغنون وأقترن مع عنفوان وفرح الانسان عشقاً وحباً وصفاء . فمن اغنية قضيب البان الذي يثكل الكنة حماتها بعد أن تفترش تلك الكنة ربيع الارضِ قربه بقدر الدولمة داعيةً له وراجية منه أن يسعدها..

يا قضيب البان ثكلني حميتي

لطبخ الكشكا واغلق باب بيتي

يا قضيب البان دنضغ لك نضغ

 واصبغ بوابك واخيط لك ستغ

الى قطار حمام العليل الذي يصيح بها كي تنزل هناك في مرباعهِ ..:

صاح القطار قومي انزلي

ترى أوصلنا حمام علي

وأطلع على تل السبت

وآخذ معايي كم بنت

 نغني ونفرح كل وقت

 وارجع واقول أدللي

أنزل على اغض العوين

وانصب جاي عل ميزين

 كل من تمر بالايدتين

 أقله عيني أتفضلي ...

ما اجمل اغنيات الربيع وما احلى الربيع بدلاله وحلاوة غزلانه وطراوة انفاسه العذبة تثير العشق والفرح

اشكان الدلال اش كانت اسبابو

 قلونا الحلو كن زادوا خطابو

 كانت لنا بالجيلة ليالي

 كل شي ينسي الا الليالي

أيام الوفى حلوي صفاها

من يصبر إذا تبدل هناها

ايام رائقة تميل بأرواحنا كالرياحين وتداعب زرقة الغدران وشطوط الانهار مائسةً فوق الروابي والتلال

 وليا على ليا ، ليا على ليا

وتميل جنها شطب ريحان عل ميه

 من فوك تل موسي من فوق تل موسي

 واتعجبوا يا خلك تذبح بلا موسي

 يا خشوف العله المجرية

 حسنكم طير الفختية

 يا خشوف التروح الحاوي

 احباب كلبي تجي من الحاوي

يما جتلني الحلو المتغاوي

 ابو محابس ذهب ولامية

كان الربيع اذاً عالماً خاصاً كما قلنا .يأتينا بكل صخبه وعنفوانه شاباً متفتحاً عارم الخطو والفرح والإنطلاق. ويغادرنا مودعاً بقلوبٍ تتلهف لعودته كل عام داعيةً رب السموات ان يمن عليها بالستر والأمن والرزق والعافية .. وان يعود الخير ليفيض بين جنبات الارض كي تمرح النفوس وتتقافز الحملان وتطوف الفراشات تحت ألق شموسِ الرحمةِ والدفء والحنان .

 

عودة الى الصفحة الرئيسة