Make your own free website on Tripod.com

تنور الطين عاد من جديد

مرت بالموصل ازمة محروقات خانقة  اعادت الاعتباراضطراراً لتنور الطين، بعد ان استراح ذلك التنور في الذاكرة بعيداً وحل محله تنور الغاز النظيف والمريح، والذي كاد أن يختفي هو ايضاً وتدريجياً من البيت- لولا الظروف الاستثنائية- واضطرار الناس الى الاعتماد على انفسهم. بدل الاتكال على افران الصمون والخبز الجاهز في الاسواق العامرة الهادرة بالامن والخير والبركة في عقود الستينات والسبعينات... لم يكن يخلو بيت موصلي من تنور يجمع النساء حوله يتحدثن بشؤون العيش وتفاصيل الحياة ويخبزن الخبز المختمر تعاون احداهن الأخرى في تقطيع العجين وتدويره ولصقه في قلب التنور الحار بعد ان اضطرمت ناره وحمي وطيسه لتفوح رائحة الخبز تجذب اليها من يشتهي من اهل البيت او من يزورهم في تلك الفترة من النهار. وكانت المرأة التي لا تمتلك تنوراً تزور جارتها حاملة عجينها ومستلزمات الوقود من مختلف انواع (الشعلة) وتكون مسرورة اذا وجدت ان جارتها قد سبقتها في الخبز وتركت لها التنور حاراً يوفر لها بعض الوقود ويختصر لها الزمن. كان النساء يجدن في الخبز طقساً يومياً جميلاً في تلك الايام الغابرة حتى غيبت ذلك الطقس ظروف العصر الجديد وصرن يعتمدن على الجاهز من الخبز والصمون من الافران القريبة في هذا الحي وذاك وتفرغن لشؤون الحياة الأخرى كالوظائف والمهن وانخرطن فيها بحكم مداهمة المدنية للعصر الجديد وفرض قيودها وشروطها على الناس بمختلف شرائحهم ونسين تنور الطين وتراث الجدات مثلما نسين ان للزمن حوادثه وان ما يتصوره الانسان من إطمئنان ابدي وراحة  يمكن ان تهزها عواصف الحياة لتعيد الانسان الى بداياته الفطرية البسيطة التي عاشها سابقوه وهكذا عاد تنور الطين .    وبعودة تنور الطين الى العمل تحفزت صور بعيدة من ذكريات بعيدة عن التنانير المرصوفة جنب بعضها في محلة الكوازين، حيث اشتهرت تلك المنطقة بهذه النماذج من الصناعات الطينية، يخلطون التبن بالطين ويخمرونه. ثم يبدأ الكواز ببنائه حلقات دائرية فوق بعضها وصولاً الى فم التنور، جاعلاً له فتحة دائرية صغيرة من الامام، ثم يتركه لأيام يجف فيها تحت الشمس ويصبح جاهزاً للبيع باحجام مختلفة تتخير النسوة منها ما يردن حسب قدرتهن على تحمل مشقة عمل الخبز وحسب حجم حاجة عوائلهن الصغيرة او الكبيرة ... لم يكن التنور المشترى جاهزاً لانتاج الخبز قبل ان تهيأ مكانه في زاوية معينة من فناء البيت وتحت مظلة واقية من  الصفيح. وقبل ان يبنى بناءً ثابتاً على قاعدة مرتفعة بعض الشيء باضافة الطين وكسر الفخار حول جوانبه. لتقوم الخبازة بعد ذلك بايقاد النار فيه طويلاً حتى يجف تماماً ويصبح (ابيض) كما متعارف عليه في إعداده وتحضيره لاستقبال العجين حيث تضيف الى جوفه (الشعلة الجافة) من الحطب وفضلات الدواب وكل ما يحترق .... الى ان يصبح فرناً حاراً تلصق على جدرانه الداخلية الارغفة لتخرج خبزاً حاراً شهياًَ تتكرر (سجراته) وجبة بعد وجبة ... فرحم الله ذاك الزمان المتجدد. وما اطيب رائحة الخبز بنكهة الفطرة الانسانية البدائية خارج عصر السرعة والصناعة والتحضر المريح ... لقد عاد تنور الطين وعادت مستلزمات وقوده بانواعها، التي شملت حتى حاويات النايلون وقناني الببسي وغير ذلك مما يصلح طعماً للنار من نثار الحضارة لتنجو البيئة من تراكماته المؤذية...

 فالسيدة م.أ تقول : ما كنا نظن ان هذا البلاستك يصلح للشعلة وماكنا نتحسب لحاجتنا الى هذه الانواع من الوقود ولهذا التنور ... بعد ان كنّا مطمئنين لوفرة الغاز .... اما الاخرى ص.د. : فتقول لقد حاولنا ان نخبز فوق صوبات الكاز ولكن المحاولات لم تكن ناجحة والكاز شحيح ايضاً ويقول ك . ي . .. ازدحام الافران سببٌ مهمٌ في محاولة الكثير من الناس العودة الى تنور الطين، اضافة الى غلاء سعر الناتج من الصمون اذا قمنا بعملية حسابية لكلفته من النقود والطحين الخام الذي يجري التبادل به مع صاحب الفرن .. حيث تفقد (كونية الطحين) بركتها وتنفذ بسرعة غير متوقعة ... وهكذا توالت آراء الذين حاورناهم من الاهل والجيران وهكذا توالت ايضاً مع حواراتنا همة سيدات البيوت في بناء التنانير والعودة الى الجذور .. وفي الوقت نفسه واصلنا همتنا مع إندفاع الجميع لنكتب هذه المقالة. الحاملة لخواطر قريبة وبعيدة ولقطات لأناس يحبون صناعتهم التراثية الموروثة أباً عن جد حيث قال لنا أحدهم . كان أبي يصنع التنانير قبل خمسين سنة من الآن وحفظت له خبرته وخفة يده في خبرتي وخفة يدي وهما تدوران مع الطين يمنة ويسرة.. وتعلمت منه الصبر وخبرة المختص في حكمة كان يرددها دائماً (أن البيت العتيق مبروك) . و(أن من له أول له تالي) .. (وان الزمن لايؤتمن . وعليك ان تتسلح له بالصبر والاحتمال كي تستطيع المطاولة معه وقهره) ..و(عليك ان تتحسب للدهرِ بمهنة تقيكَ غائلة العوز وتجنبكَ الحاجةَ الى الناس) ...

ولم تقتصر اقواله تلك على ما ذكرت ولكنني سمعت منه ومن آخرين اجمل الحكايا واحلى الاغنيات. تتغزل بالتنور ومن يقف على التنور . وبالحان اكثر اصالة وابداعاً من اغاني وكليبات الستلايت والقنوات الفضائية الساذجة في هذه الايام . اما كان الغزالي يقول

واكفه بالباب تصرخ يالطيف 

                           لاني مجنونة ولا عكلي خفيف

من ورة التنور تناوشني الرغيف

                            يارغيف الحلوة يكفيني سنه

 

عودة الى الصفحة الرئيسة