Make your own free website on Tripod.com

معالم تراثية

عز الدين بن الاثير

المهندس ثامر محمود احمد

 هو ابو الحسن عز الدين ( على بن ابي الكرم بن محمد بن عبدالكريم بن عبدالواحد الشيباني ابن الاثير الجزري) ولد سنة 555 هـ = 1157م وهو امام ومؤرخ من العلماء بالنسب والادب. وهو ثالث ثلاثة اخوة  عرف كل واحد منهم بناحية من العلوم فألف كبيرهم مجد الدين في الحديث وتعاطى صغيرهم ضياء الدين نصر الله الأدب فبرع فيه وانصرف اوسطهم وهو عز الدين الى التاريخ ...تجول في البلدان وعاد الى الموصل. ومن تصانيفه( الكامل في التاريخ "12" مجلداً ) وهو اشهر كتبه وعليه تقوم شهرته ومنزلته العلمية وهو كناية عن تاريخ جامع لاخبار ملوك الشرق والغرب وما بينهما. بدأه منذ اول الزمان الى آخر سنة 628هـ / 1230م اي قبل وفاته بسنتين وكتاب(اللباب في تهذيب الانساب) وهو مختصر لكتاب الانساب للسمعاني على انه نبّه على مافي هذا الكتاب من هفوات وزاد عليه اشياء اهملها مؤلفه وكتاب (الباهر في اخبار الدولة الاتابكية)التي عاش في ظلها وكتاب (اسد الغابة في اخبار الصحابة ) وغيرها من الآثار التاريخية.

وابن الاثير مؤرخ يمتاز بشدة التثبت فيما ينقل بل هو قد يسمو احياناً الى نقد المصادر التي يستمد منها . وله استدراكات وجيهة على الطبري والشهرستاني وغيرهما من العلماء والمؤرخين وأجزل الفائدة فيما يتعلق بالحوادث التي مرت في عصره وعايشها .

ولد عز الدين في جزيرة ابن عمر في بيت وجاهة وثراء فقد كان ابوه متولياً ديوان المدينة ثم انتقل مع ابيه واخويه الى الموصل وهناك سمع من ابي الفضل عبدالله بن الخطيب الطوسي ومن في طبقته ولم يكن عز الدين عالماً في التاريخ يحفظ التواريخ المتقدمة والمتأخرة حسب . وانما كان ايضاً اماماً في حفظ الحديث ومعرفته وما يتعلق به . خبيراً بانساب العرب وايامهم ووقائعهم واخبارهم له منزلة رفيعة عند ذوي السلطان والناس . اشتهر بفضائله وكرم اخلاقه وتواضعه .

كان كثير التنقل بين الموصل وبغداد ودمشق والقدس وحلب وانه كان يتلقى في كل بلد نزله العلم والحديث عن علمائه وقرائه وفقهائه ومحدثيه ونحاته فحصلت له بذلك ثقافة شاملة في العلوم الاسلامية وفي التاريخ والنحو غير انه في سنواته الاخيرة لزم بيته في الموصل وانقطع الى التوفر على النظر في العلم والتصنيف .وكان بيته مجمع الفضل لاهل الموصل والواردين عليها .

فظلت هكذا حاله الى ان توفاه الله عام 630هـ  = 1232 م وهو في الخامسة والسبعين ودفن في المقبرة خارج سور الموصل وقبره معروف وهو الذي اشرنا اليه في موضوعنا هذا .. وعرفت المقبرة في وقتها ((وهي المجاورة لمرقد الشيخ قضيب البان الموصلي))... "بمقبرة الميدان" ودفن فيها الكثير من اعلام الموصل ومنهم :

 1-مجد الدين ابو الفضل عبدالله بن احمد بن محمد الطوسي المتوفي سنة 578 هـ .

 2-عزالدين بن الاثير المؤرخ المشهور المتوفي سنة 630 هـ. وقبره لم يزل ظاهراً لحد الان. وعندما فتح الشارع من قبل بلدية الموصل، كان القبر في وسط الشارع فبنت له البلدية قبراً فوقه قبة . وسمت الشارع باسمه . والشارع يحيط بالمدينة القديمة من الشمال والغرب حيث يمتد من المستشفى الجمهوري ، "الزهراوي حالياً" الى باب الجديد وهو على ارض الخندق الذي كان يحيط بالسور قبل اكثر من مئة سنة. حيث كان للموصل سور وابواب كما توضح ذلك الخرائط القديمة .. يقع الضريح امام ملعب الشباب في منطقة باب سنجار والطريف ان معظم سواق سيارات الاجرة بل والقسم الغالب من المواطنين لا يعرفون ان هذا القبر هو مرقد المؤرخ عزالدين بن الاثير بل  يسمونه "قبر البنت" ؟! .

ولهذه التسمية قصة ترجع الى كاتبة بريطانية هي مس دراور والتي زارت مدينة الموصل عام 1922 م لغرض الكتابة عن المشاهد والمقامات ووقفت في واحدة من جولاتها على قبر المؤرخ عز الدين بن الاثير حيث تجمهر الناس المتواجدون في المنطقة حولها فأنتشر خبر زيارتها تلك ووجودها امام القبر الذي لفت انتباه الناس مما ادى الى اقتران صورة تلك الكاتبة دائما بمشهد القبر كلما مروا من امامه فغلبت تسمية "البنت مس دراور" على القبر .وسمي قبر البنت. وللحقيقة والتاريخ ولإنصاف هذا المؤرخ الجليل ولإبعاد هذا الاسم "قبر البنت" عن مرقده ولإطلاع الناس حول معرفة المؤرخ عز الدين بن الأثير تقوم البلدية بوضع رقعة حديدية ويكتب عليها تعريف كامل بصاحب الضريح ودوره كمؤرخ عظيم وعلم من أعلام الأمة مع اشارة للتسمية المغلوطة عنه كي يتأكد حضوره الحقيقي في اذهان الناس مجدداً

 

في (الطريق الى نينوى)

لقطات من القرن التاسع عشر

من اوائل المنقبين الآثاريين الذين عملوا في الموصل ، الانكليزي اوستن هنري لايرد ، فقد اكتشف اثار النمرود ونينوى والشرقاط وغيرها ونقل ابرز المنحوتات من الثيران المجنحة الى المتحف البريطاني ـ حيث ما تزال تقبع فيه حتى الان في جناح يعد من ابرز اجنحة المتحف المذكور ... ومن كتاب (الطريق الى نينوى) الذي يتناول رحلة "لايرد" واكتشافاته في الموصل واطرافها ، استوقفتنا بعض اللقطات التي تعكس اجواء القرن التاسع عشر في الموصل : * قال عبدالرحمن للايرد: اخبرني ايها البيك عما تنوي فعله بهذه الاحجار ، لقد انفقت عليها الالوف من اكياس النقود ، أفصحيح ماقلت انه سيتعلم شعبك الحكمة منها ؟... الله اكبر ، الله اكبر .. هاهنا ترقد أحجار طمرت منذ عهد نوح عليه السلام، وربما وجدت قبل الطوفان ، لقد عشت في هذه الارض سنين عديدة وضرب والدي ووالد والدي خيامهم هنا قبلي ، غير انهم لم يسمعوا بوجود هذه التماثيل ! لكن ويا للعجب ها هو ذا أفرنجي ياتي من بلاد تبعد عنّا مسيرة ايام عديدة ويجيء الى المكان الصحيح ، يمسك بعصا ويروح يرسم خطّاً هنا وخطّاً هناك ويقول هنا القصر وهناك البوابة ، وأرانا ما كان مطموراً تحت أقدامنا طيلة حياتنا من دون أن نعلم شيئاً عنه ... فهل تعلمتم ذلك من الكتب أم من السحر أم من أنبيائكم ؟ تكلّم يا بيك ، أطلعني على سر الحكمة ... ويشرح لايرد لعبدالرحمن شيئاً عن الحضارة ... ثم يوضح له أن ما يقدمه الغرب لسكان الشرق الحاليين ما هو في الواقع إلاّ ردٌ لفضلهم لأنهم يدينون للشرق القديم بأسس معرفتهم ... * وعن البدو في أطراف الموصل كتب "لايرد" في مذكراته: يتمتع أبناء الصحراء ببنية قوية قياساً لطعامهم القليل ، ويتكون طعام البدوي من القليل من اللحم ، وقوتهم الأساس هو الخبز والكمأ والزبد ، ويعتبر اللبن الخاثر غذاءً رئيسياً لا يمكن الاستغناء عنه ويصنع من حليب النعاج . ويعالج البدو أمراض الروماتيزم والمعدة بالكيّ بواسطة سيخ حديدي ساخن جداً يوضع على موضع الألم . والمرأة البدوية غالباً ما تكون جميلة للغاية في طور شبابها لكنها تهرم بسرعة ويدب الهزال إلى وجهها والارتخاء إلى جسمها جراء الولادات العديدة . *ويصف (لايرد) امرأة بدوية تدعى (رضيّة) بالأوصاف التالية:

كانت رضيّة واحدة من ملكات الصحراء المتوّجات ، فشفتاها مصبوغتان بزرقة غامقة وخُطَّ حاجباها بالنيل حيث يمتدان حتى يلتقيان فوق الأنف. أمّا جبينها وخداها فتنتشر فيهما دقّات جميلة ، وأهدابها مصبوغة بالكحل ، وتشاهد على صدرها وساقيها أزهاراً وزخارف من الوشم تتخذ شكل خط متموج أو شبكة تمتد على جميع أجزاء جسمها. وتتدلى من أذنيها أقراط ذهبية كبيرة للغاية تصل إلى خصرها ، وتنتهي بقطع ذهبية مزخرفة بأربع قطع من الفيروز ، وفي انفها قرطٌ كبير آخر مزين بالمجوهرات يخفي مساحة واسعة من وجهها بحيث يغطي فمها وكان عليها أن تزيحه من على شفتيها حين تهمّ بالأكل . * بدأ سطح الصحراء ذهبياً لامعاً واصطبغت مسحته بزهور ذات لون اصفر برَّاق غطت السهل برمته ، وأخذ (سطّوم) يتلهى بين الأعشاب الكثيفة والهواء النقي ، وكان يصرخ وهو على ظهر فرسه بين الأزهار: (( ما الذي يوازي هذا الذي وهبنا إيّاه الله ... انه الشيء الوحيد الذي يستحق الحياة لأجله ... ماذا يعرف سكان المدن عن السعادة الحقيقية ، وهم لم يروا عشباً وأزهاراً ؟ فليرحمهم الله .. )) * عن الضفة الشرقية لنهر دجلة في الموصل كتب (لايرد) : لو ألقينا نظرة من الجو لشاهدنا إستحكامات دفاعية منخفضة مغطاة بالتراب ، وتحيط هذه الإرتفاعات مساحة رباعية الزوايا غير منتظمة تضم تلّين كبيرين هما(قوينجق) والنبي يونس عليه السلام ، اللذين يقعان على امتداد الإستحكامات الدفاعية الغربية بمواجهة النهر ، لقد غيّر نهر دجلة من خط سيره خلال الألفي سنة الأخيرة ، ولم يعد يجري بمحاذاة الأسوار القديمة ، ويفصل شمال المساحة الرباعية عن جنوبها نهر الخوصر الذي يلتف حول القمة الجنوبية لتل قوينجق الكمثري الشكل . واسمه "قوينجق" يعني قطيع الخراف ، نظراً لكثرة الماشية التي ترعى في ذلك المرتفع .

عودة الى الصفحة الرئيسة