Make your own free website on Tripod.com

الانسان وتلوث البيئة


د. زياد العبادي - جامعة الموصل / كلية العلوم


لعل أجدادنا الأوائل من أبناء ادم عليه السلام هم اول من لوث بيئتنا النقية ، وذلك عندما اوقدوا ناراً ليتدفأوا بها أو ليخيفوا بها الحيوانات المفترسة التي تهاجمهم او ليدفعوا بها أعداءهم أو ربما ليشووا صيداً لهم أو ليطبخوا طعاماً في داخل أحد الكهوف التي سكنوها أو ربما لينيروا أحدى المغارات التي عاشوا فيها ورسموا على جدرانها مناظر وحكايات الزمن القديم . فمنذ ذلك الوقت الغابر بدأت حكاية الانسان وتلوث البيئة الطبيعية وما زالت العملية مستمرة ومتكررة ببقاء الانسان ومع اشراقة كل صباح ومع استمرار التطور والتحضر وبكل ما تتطلبه هذه الحضارة من رفاهية وتقدم ورقي لعالم الانسان على حساب الطبيعة العذراء التي خلقها الله سبحانه وتعالى نقية نظيفة وجميلة ومتوازنة ومتناغمة بكافة مفرداتها دون أي تدخل او تشويه أو تغيير خارجي الى ان جاء الانسان بكل إرهاصاته وإخفاقاته وتدخلاته فأثر على هذا التوازن الإلهي بآليته ومصانعه وتجاربه ومختبراته حتى استنزف الطبيعة الصامتة ودمر شكلها المعهود دون ان تشتكي أو تعترض . فلو قدر لهذه الارض ان تتكلم لضاقت ذرعاً بالساكنين على ظهرها من بني البشر من كثر ما خربوا وغيروا وبدلوا بها ولكن قدرها أن تمضي بسكون ولا تعترض ولا تتكلم بل تئن أنيناً خفيفاً ولا احد يسمعها او يحس بها وترسل إشارات عل احداً يشعر بها او ينقذها او تلقى من يوقف هذا الدمار والتخريب الحاصل على ظهرها . أما آن الأوان لان نلقي الضوء على ما يحدث لهذا الكوكب الجميل الذي هو بيتنا جميعاً ؟ أن التلوث الذي سببه الانسان للطبيعة له أنواع لا يمكن عدها ولكن نستطيع تصنيفها وحصرها ضمن عنوان كبير تندرج تحته الانواع المتقاربة والمتماثلة من التلوثات البيئية فمنها مثلاً ما هو صناعي وتكنولوجي ونووي وعسكري ومنها ما يخص التطور العلمي والبحثي او ما يخص البحوث الكيميائية والبيولوجية ولكل نوع خطورة خاصة تختلف باختلاف الضرر الذي تلحقه بالانسان والحيوان والنبات او بالطيفيليات وبالاحياء المجهرية التي تشاركنا الحياة على هذا الكوكب الكبير . فان استمرار تلوث البحار والانهار بالمواد الكيميائية السامة او بالفضلات والنفايات النووية ادى الى موت الحيتان والاسماك والاحياء المجهرية التي تعيش فيها . كما ساهم في ظهور امراض كثيرة بين بني البشر لم تكن موجودة سابقاً كونهم يتغذون على هذه الحيوانات البحرية المسمومة . أما بالنسبة لتلوث الغلاف الجوي فواضح جداً من خلال ارتفاع درجة حرارة الكرة الارضية وذوبان الجليد بمعدلات كبيرة وغير طبيعية وبصورة خاصة عند القطبين الشمالي والجنوبي وحدوث فتحات في طبقة الاوزون التي خلقها الله سبحانه وتعالى لتحمي الانسان من خطر الاشعة الفوق البنفسجية القادمة الينا مع الطيف الشمسي وذلك بسبب المعامل والمصانع التي تطلق الغازات الى الجو دون قيد او شرط . وفيما يلي أهم العناوين الرئيسية المسببة للتلوث الحاصل للطبيعة علماً أن هذا التسلسل درج حسب خطورة التلوث ومضاعفاته على البيئة .

1-التلوث الصناعي والتكنولوجي:

 ويشمل كافة انواع الصناعات التقليدية التي تتطلب حرق أطنان هائلة من المواد القابلة للاحتراق كوقود لإدامة زخم العملية الإنتاجية في مراحل التحضير الاولي كالأفران العالية الصهر التي تستخدم في عمليات السباكة والصب وافران الطلي وإذابة المعادن وتشكيل الحديد والصلب كذلك لدينا محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تستخدم الوقود الاعتيادي للحرق كالنفط والغاز والفحم الحجري كطاقة مطلوبة لتوليد الطاقة الكهربائية وكل ذلك يؤدي الى اطلاق كميات هائلة من غاز ثنائي اوكسيد الكاربون الى الجو والذي بدوره يخل بالتوازن الطبيعي لمكون الغازات في الغلاف الجوي مما يزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري وزيادة درجة حرارة الكرة الأرضية .

2-التلوث النفطي :

 ويكاد يكون هذا النوع هو الأخطر بحد ذاته خلال المئة سنة الأخيرة ومنذ اكتشاف النفط الخام تحديداً حيث كانت المواد المحترقة سابقاً مقتصرة على الخشب والفحم والفحم الحجري حيث ادى اكتشاف النفط الخام الى ظهور مادة جديدة قابلة للاحتراق تضاف الى المواد الأخرى بل وتفوقها قدرة وقابلية على الاحتراق حيث يؤدي احتراقها الى توليد غاز اول اوكسيد الكاربون السام بالاضافة الى غاز ثاني اوكسيد الكاربون ناهيك عن مشتقات البترول الأخرى التي تفوقها خطورة والتي تناهز التسعين مادة وكلها مواد ملوثة للبيئة وقابلة للاحتراق والتفاعل مع المواد الاخرى . هذا فضلاً عن التلوث الذي تسببه مادة النفط الخام أثناء الشحن والنقل والتفريغ وعند تصادم السفن الكبيرة وناقلات النفط العملاقة وانتشار المادة على سواحل الانهار والبحار وفي بعض الحالات احتراقها بالكامل وبالتالي يؤدي الى كارثة بيئية للحياة البرية والبحرية والى ظهور مشاكل بيئية لاسبيل لحلها.

 3-التلوث النووي :

هذا التلوث نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وبعد اكتشاف القنبلة الذرية وما صاحبها من عمليات تخصيب لليورانيوم والبلوتونيوم وهما من المواد المشعة ، حيث تصاحب عملية إنتاج القنابل النووية مواد مشعة وفضلات نووية يجب التخلص منها وذلك بإلقائها في الطبيعة او في البحار اما النوع الآخر من التلوث النووي فهو محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعمل بالطاقة النووية فتصاحب عملية توليد الكهرباء مخلفات نووية وهي مواد مشعة وغير مفيدة لاسبيل للتخلص منها إلا بدفنها في البراري أو إغراقها في البحار فيضر ذلك بالحياة البرية والبحرية حيث ان اليورانيوم المنضب يشع إشعاعات نووية تضر بكل من الانسان والحيوان والنبات حيث تصيب الانسان بالاورام الخبيثة وتغيير الجينات الوراثية لدى الانسان والحيوان والنبات ولكل كائن حي . والمشكلة الأخطر في التلوث النووي كونه طويل الامد اذ قد يصل نفاذ فعالية هذه المواد الى مئات بل الى آلاف السنين دون ان تصل فعالية هذه المواد الى الصفر ويبقى لها تأثير بسيط .

 4-التلوث العسكري :

 بعد ان استخدم الانسان ولعقود طويلة السيف والرمح والقوس والمنجنيق في حروبه القديمة بدأ سعيه الحثيث ومنذ اكتشاف البارود كمادة أولية لصناعة المتفجرات والقنابل للحصول على افضل انواع الاسلحة المتطورة والفتاكة ، واستطاع تطوير انواع عديدة مثل مادة (تي أن تي) شديدة الانفجار وقنابل النابالم الحارقة والقنابل الفسفورية المضيئة وكلها مواد حارقة ومحترقة تضر بالإنسان والبيئة بكلا نوعيها الحيوانية والنباتية وبالغلاف الجوي . كما يوجد هناك نوع من الأسلحة المشعة التي تحوي على اليورانيوم المنضب الذي يطلق إشعاعات نووية. فالضرر الحاصل من انتاج مثل هذه الأسلحة لا يقتصر فقط في حال استخدامها بل ينجم ايضاً عن الاضرار المصاحبة لعمليات انتاجها وتحضيرها وما يتولد من نفايات سامة ومواد خطيرة مصيرها لا محالة الى الطبيعة.

 5-التلوث الكيميائي :

 لا يخفى على الكثيرين منا اثر التلوث الكيميائي والمواد الكيميائية المستخدمة يومياً في المعامل والمصانع وحتى في حياتنا اليومية كالمستحضرات الكيميائية المستخدمة في الرش الزراعي ومكافحة الاراضي النباتية وكذلك مراكم البطاريات السائلة التي تستخدم في السيارات والجرارات والطائرات وبكل ماله علاقة بتوليد الطاقة الكهربائية كيميائياً وكذلك مصانع الإطارات المختلفة ومصانع الدباغة والجلود التي تقع على ضفاف الأنهار والتي تصب مخلفاتها غير المصفاة في الأنهر بصورة مباشرة وتؤدي الى تغيير التركيب الكيميائي للماء وزيادة نسب الحامضية والقاعدية او الملوحة مما يؤدي الى هلاك الحياة البحرية والنهرية من اسماك وحيوانات ونباتات ومجهريات هذا بالاضافة الى حاويات الرش والاصباغ التي تلوث الجو الطبيعي والى هذا تعزى كثرة الاصابة بامراض السرطان بين بني البشر وارتفاع معدل الاصابة بالربو وحالات ضيق التنفس على مدى الخمسين سنة الأخيرة .

 6-التلوث الجرثومي والبيولوجي :

 بالاضافة لكون علماء البايولوجيا طوروا طرقاً ومواد عديدة لمكافحة الأمراض والاوبئة المستعصية والبكتريا المسببة للامراض المعدية والفتاكة إلا أنهم قاموا كذلك باستخدام هذه الجراثيم والبكتريا في مستعمرات لتطوير نوع من الاسلحة الجرثومية والبكتريا المعدية التي يمكن ان تفتك بمدن كبيرة وعواصم يصل تعدادها الى مئات الآلاف وفي خلال ساعات معدودة وهذه احدى ملوثات الطبيعة التي تدخل في هذا الباب ولا نريد التفكير في ماذا يحدث لو سقطت هذه الاسلحة البيولوجية بيد احد المجانين ومهووسي الحروب والقتل او اطلقت عن طريق الخطأ على سبيل المثال .

 7-التلوث الجيولوجي وعمليات التعدين :

 ان استخراج المعادن والفحم الحجري من باطن الارض وقشط طبقات الارض الصالحة للزراعة للبحث عن انواع نادرة من المعادن كانت مدفونة داخل طبقات الارض منذ الازل ولسنوات وعصور ولآلاف السنين يؤدي الى الاخلال في التوازن الطبيعي حيث يقوم الانسان باستخراج هذه المواد وإعادة استخدامها بشكل يسيء الى هذا التوازن مما يؤدي الى زيادة التلوث والذي يظهر على شكل تراكمات غير طبيعية لم تكن موجودة سابقاً .

8-التلوث بسبب الجانب الخدمي والترفيهي :

 منذ ان بدأ الانسان اكتشاف العجلة وهو ما انفكّ يطور الادوات التي تعمل على راحته وتحقيق رغباته لتنقله هو واغراضه وحاجياته بالاضافة الى الحيوانات التي خدمته طويلاً ولا تزال . فبعد العربة والدراجة والسيارة والقاطرة البخارية والطائرة وصل الانسان الى سطح القمر والى المريخ ولا ندري الى أين يريد الوصول بعد ذلك ؟ ان كل هذه الإحتياجات والمتطلبات والاجهزة المتطورة المتنقلة تؤدي الى التلوث لانها تحتاج الى وقود واحتراق هائل . كما انه بالاضافة الى مركبات النقل يطور مركبات الترفيه والألعاب والتسلية من سيارات ودراجات سباق وطائرات بهلوانية وسفن وزوارق بخارية والحصيلة واضحة اطنان هائلة من الغازات والمواد والمخلفات السامة الملوثة وكلها تؤدي الى مضاعفة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الكرة الارضية. وهناك مواد واجهزة وتقنيات وتكنولوجيا كثيرة لا مجال لذكرها لانها متعددة ومتنوعة واكبر من ان تحصر او تعد الا اننا نوهنا عن بعضها واهمها واخطرها واشدها ضرراً وتأثيراً مباشراً على الطبيعة . وبعد كل هذا تجتمع الدول الصناعية الكبرى لتوقيع معاهدة الحد من انتشار الغازات والتكنولوجيا الملوثة للبيئة الا ان كبرى الدول الصناعية والرائدة في مجال وحقوق الانسان ترفض المعاهدة وتمتنع عن التوقيع عليها . ان المشكلة الرئيسية ليست في البحث عن اسباب التلوث الحاصل لبيئتنا بل هي في اقناع الانسانية في اتباع الحل الامثل لمعالجة التلوث فلا ندري ماذا يريد هؤلاء والى أي هدف يسعون ؟

 

عودة الى الصفحة الرئيسة