Make your own free website on Tripod.com

مما تميزت به موصلنا الحديثة تلك النهضة في الخط العربي واكتظاظ المدينة بالخطاطين المتميزين وبالآثار الفنية الخطيّة المتنوعة ، حيث يطالعنا في كل مكان من المدينة ذلك الانتشار الفني والجمالي على المدى الأفقي والعمودي فضلاًَ الاحتضان الشعبي والرسمي لهذا الفن الأصيل . إن هذه النهضة المعاصرة كان الفضل فيها للأساس العلمي والمعرفي الذي اختطه الأستاذ (يوسف ذنون) فجعلها أصيلة وراسخة عندما اتبع النظرة العلمية المتعمقة والفاحصة في الخلفيات الفنية والتاريخية والآثارية للخط .

البداية .. درس منتظم ولقد كانت البداية على يد الخطاط الكبير يوسف ذنون عندما قام بتدريس (فن الخط) في معهد المعلمين بالموصل عام 1962 م . واستطاع برعايته أن يكوّن نخبة بارزة من الخطاطين في العراق وبدأ التعليم المستمر للخط العربي في دورات رسمية متخصصة مجانية أو طوعية على منهج منتظم بالتدريج لتحقيق اكتساب المهارات الأساسية لقواعد هذا الفن . وخصوصاً بعد أن عززت جهودهم بأول معرض معاصر للخط بالموصل عام 1971 م . وبعده في بغداد والذي اعتبر الأول من نوعه فحظي باهتمام إعلامي وشعبي كبير مما دفع الحكومة إلى تكريمهم .

الموصلي .. يوسف ذنون هذه الشخصية الموصلية من أعلام الموصل والعراق المعروفين ولد عام 1932 م . واشتعل في التعليم ضمن مدارس المحافظة ومعهد المعلمين ثم مشرفاً تربوياً حتى طلب التقاعد عام 1982م للتفرغ لرسالته في خدمة الخط والتراث العربي وللإبداع فيه فجاءت مساهمته نهضة متميزة بالحرف العربي وليصل به إلى ما لم يصله حرف أي لغة . وليغدو الأستاذ يوسف ذنون (أميراً للخطاطين) بحق .

كان يجتمع حوله بعض تلاميذه - وما أكثرهم - وباعتزاز كل أسبوع في تقليد اجتماعي ودود وحوار ثقافي مفتوح إما في جمعية الخطاطين أو كازينو هادئ أو لدى الخطاط خزعل الراوي ، في جلسة نقدية أو ندوة عامة كانت تقليداً حميداً افتقدناه من امسيات الموصل الثقافية والاجتماعية.

قبل سنين عديدة حظيتُ بفرصة تعليم الخط الكوفي من إحدى دوراته، ورغم تفاوت أعمار الدارسين لكننا لم نر اختلافاً في رعايته وتوجيهاته للجميع إلا بمقدار التركيز في كيف نكون في نهاية الدورة جيدين في رسم حرف لغة القران الكريم . عندما يقال ان النهضة الحديثة للخط العربي رفع لواءها في الموصل استاذ باحث هو الخطاط القدير يوسف ذنون فلأنه كان قد جمع بين ثقافة الخط والموهبة وهو الوحيد بين العراقيين الذي جمع صفة الإبداع وصفة العلم لفن الخط . ولان أمواج دجلة تجري في شرايينه وبيوتات الموصل مطلة في عينيه - كما قيل - فإننا نحن الموصليين الأولى باحترام فنه وتقدير جهوده والاعتزاز بعلم من أعلام هذه المدينة الحبيبة .

مشاريعه .. ينتظر العراقيون كتاب الأستاذ يوسف ذنون (تاريخ الخط العربي) حيث يسلسل فيه نشأة الخط وتطوره واصل التسميات في أنواعه وأشكاله .. فضلاً عن مناقب الزخرفة وأثرها في التراث العربي الاسلامي وباسلوب علمي رصين سيكون مرجعاً وافياً للمهتمين والمتخصصين إن شاء الله ولان جعبة "أبو عصام" لا تنضب فان مشاريعه واهتماماته تتركز الان على صرح (مركز دراسات الخط العربي) الذي يخطط له بشكل عصامي كعادته وليضم متحفاً ومكتبة ثم مركزاً تعليمياً حديثاً وباسلوب جديد ، ولكن مثل هذا الصرح يستوجب متطلبات جمع صعبة لابد لمدينة الموصل أن تتبناه معه وتدعمه بشكل كبير خدمةً لخط القرآن الكريم وتقديراً لخطاط المدينة الكبير وليكون شاهداً على عراقة الموصل وشعبها . وكذلك لم ينس الأستاذ يوسف ذنون كخطاط أن يقدم للقران الكريم خطاً متميزاً من أنامله بمساعدة تكنولوجيا الكمبيوتر بنمط جديد ، وينتظر هذه المبادرة ذوو الاختصاص والاهتمام .


 يقول الاستاذ يوسف ذنون


 في علاقة الخط العربي بالتراث

قد لا يحتاج المرء الكثير من التدقيق ليلحظ ظاهرة بارزة في موروثات الحضارة العربية الاسلامية وهي ان الكتابة عنصر اساسيٌ في تكوينها. إذ يندر ان نشاهد اثراً معمارياً يفتقر الى العنصر الكتابي زينةً له او تسجيلاً لمآثر مشيده يحتل اشرطة او الواحاً تدخل في اعطائه الشكل النهائي الساحر. ومثله الادوات والمواد المستعملة يومياً سواء كانت مصنوعة من الخشب او العاج او الزجاج او التحف المعدنية او الخزف وحتى المنسوجات . وهناك بعض الآثار تشكل الكتابة فيها كل العناصر مثل النقود والمخطوطات. ورغم اختلاف المواد والاغراض الا اننا نجد الكتابة عنصراً مشتركاً في جميع الفنون إذ تشكل العمود الفقري لها فهي علاقة عضوية لا يمكن تجاوزها لذلك كانت الدعوة للاهتمام بالخط العربي ودراسته هي في حقيقتها دعوة للتثبت الحضاري والاستكشاف التاريخي وكشف للاصالة فهو جزء من الظاهرة الحضارية ويشكل في الوقت نفسه ضوءً كاشفاً لبعدها الزمني وما إعتراه من تطورات على مر العصور . 


في العلاقة بين الصنعة والفن

 ان الخط شأنه شأن بقية الفنون يبدأ بالصنعة في التعرف على انواعه والاطلاع على قواعد كل نوع والوصول الى تطبيق هذه القواعد والاصول الى درجة كبيرة من الاتفاق تتجاوز الحدود العادية لقدرة الانسان بالاصرار والممارسة والصبر وتقود الى الإنطلاق الفني ولما كانت هذه المرحلة تحتاج الى الوقت والقدرة والاستعداد الخاص لذلك نرى القلائل هم الذين حققوا هذه المرحلة في الخط وبقي الكثيرون في حدود الصنعة. مما اشاع النظرة الى هذا الفن بانه صنعة خاصة. وان هذا الفن كتب له من الاتساع في مادته الى درجة لا يمكن فهمه الا عن طريق الدرس فأغلق امام الكثيرين فذهبت تصوراتهم فيه بعيداً عن واقعه حتى بين المتقربين اليه بالدراسة من المستشرقين والباحثين في الفنون الاسلامية لذلك نرى ان القليل منهم لم يتبين منه سوى الصنعة ولكن الغالبية رأت فيه انه فن الفنون. واما الذين عايشوه فنياً والنقاد الفنيون وخاصة الغربيون فأنهم تبينوا فيه فناً شديد التعبير ذا الزينة الحية واعتبره خلقاً جديداً يوازي الطبيعة.

كانت هذه المرحلة تحتاج الى الوقت والقدرة والاستعداد الخاص لذلك نرى القلائل هم الذين حققوا هذه المرحلة في الخط وبقي الكثيرون في حدود الصنعة. مما اشاع النظرة الى هذا الفن بانه صنعة خاصة. وان هذا الفن كتب له من الاتساع في مادته الى درجة لا يمكن فهمه الا عن طريق الدرس فأغلق امام الكثيرين فذهبت تصوراتهم فيه بعيداً عن واقعه حتى بين المتقربين اليه بالدراسة من المستشرقين والباحثين في الفنون الاسلامية لذلك نرى ان القليل منهم لم يتبين منه سوى الصنعة ولكن الغالبية رأت فيه انه فن الفنون. واما الذين عايشوه فنياً والنقاد الفنيون وخاصة الغربيون فأنهم تبينوا فيه فناً شديد التعبير ذا الزينة الحية واعتبره خلقاً جديداً يوازي الطبيعة.

 

عودة الى الصفحة الرئيسة